مجمع البحوث الاسلامية

649

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

بمقابلة القليل الكثير ، إذا انضمّ إلى القليل شيء من رغبة الطّالب أو رهبته ، أو مصلحة أخرى يعادل بانضمامها الكثير ، والكاشف عن جميع ذلك وقوع الرّضا من الطّرفين ، ومع وقوع التّراضي لا تعدّ المبادلة باطلة ألبتّة . على أنّ المستأنس بأسلوب القرآن الكريم في بياناته ، لا يرتاب في أنّ من المحال أن يعدّ القرآن أمرا من الأمور باطلا ثمّ يأمر به ويهدي إليه ، وقد قال تعالى في وصفه : يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ الأحقاف : 30 ، وكيف يهدي إلى الحقّ ما يهدي إلى الباطل ؟ على أنّ لازم هذا التّوجيه أن يهتدي الإنسان اهتداء حقّا فطريّا إلى حاجته إلى المبادلة في الأموال ، ثمّ يهتدي اهتداء حقّا فطريّا إلى المبادلة بالموازنة ، ثمّ لا يكون ما يهتدي إليه وافيا لرفع حاجته حقّا حتّى ينضمّ إليه شيء من الباطل ، وكيف يمكن أن تهتدي الفطرة إلى أمر لا يكفي في رفع حاجتها ، ولا يفي إلّا ببعض شأنها ، وكيف يمكن أن تهتدي الفطرة إلى باطل ، وهل الفارق بين الحقّ والباطل في الأعمال إلّا اهتداء الفطرة وعدم اهتدائها ؟ فلا مفرّ لمن يجعل الاستثناء متّصلا من أن يجعل قوله : ( بالباطل ) قيدا توضيحيّا . وأعجب من هذا التّوجيه ما نقل عن بعضهم ، أنّ النّكتة في هذا الاستثناء المنقطع هي الإشارة إلى أنّ جميع ما في الدّنيا من التّجارة ، وما في معناها من قبيل الباطل ، لأنّه لا ثبات له ولا بقاء ، فينبغي أن لا يشتغل به العاقل عن الاستعداد للدّار الآخرة الّتي هي خير وأبقى ، انتهى . وهو خطأ ، فإنّه على تقدير صحّته نكتة للاستثناء المتّصل لا الاستثناء المنقطع ، على أنّ هذه المعنويّات من الحقائق إنّما يصحّ أن يذكر لمثل قوله تعالى : وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ العنكبوت : 64 ، وقوله تعالى : ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ النّحل : 96 ، وقوله تعالى : قُلْ ما عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ مِنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجارَةِ الجمعة : 11 ، وأمّا ما نحن فيه فجريان هذه النّكتة توجب تشريع الباطل ، ويجلّ القرآن عن التّرخيص في الباطل بأيّ وجه كان . ( 4 : 316 ) مكارم الشّيرازيّ : وهذه العبارة استثناء من القانون الكلّيّ ، وهو بحسب الاصطلاح استثناء منقطع ، وهو يعني إنّ ما جاء في هذه العبارة لم يكن مشمولا للحكم السّابق من الأساس ، بل قد ذكر تأكيدا وتذكيرا ، فهو في حدّ ذاته قانون كلّيّ ، وضابطة عامّة برأسها ، لأنّه يقول : إلّا أن يكون التّصرّف في أموال الآخرين بسبب التّجارة الحاصلة في ما بينكم ، والّتي تكون عن رضا الطّرفين . فبناء على هذا تكون جميع أنواع المعاملات الماليّة والتّبادل التّجاريّ الرّائج بين النّاس - في ما إذا تمّ برضا الطّرفين ، وكان له وجه معقول - أمرا جائزا من وجهة نظر الإسلام ، إلّا الموارد الّتي ورد فيها نهي صريح لمصالح خاصّة . ( 3 : 179 ) وفي ذيل الآية أحكام وفروع فقهيّة راجع : « ر ض ي » ( تراض ) . 3 - قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَأَبْناؤُكُمْ وَإِخْوانُكُمْ